ابن قيم الجوزية

11

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

( فصل ) وهذا كتاب اجتهدت في جمعه وترتيبه * وتفصيله وتبويبه ، فهو للمحزون سلوة . وللمشتاق إلى تلك العرائس جلوة . محرك للقلوب . إلى أجل مطلوب . وحاد للنفوس . إلى مجاورة الملك القدوس . ممتع لقارئه . مشوق للناظر فيه . لا يسأمه الجليس . ولا يمله الأنيس . مشتمل من بدائع الفوائد . وفرائد القلائد . على من لعل المجتهد في الطلب . لا يظفر به فيما سواه من الكتب مع تضمينه لجملة كثيرة من الأحاديث المرفوعات . والآثار الموقوفات . والأسرار المودعة في كثير من الآيات ، والنكت البديعات . وإيضاح كثير من المشكلات . والتنبيه على أصول من الأسماء والصفات . إذا نظر فيه الناظر زاده إيمانا . وجلى عليه الجنة حتى كأنه يشاهدها عيانا . فهو مثير ساكن العزمات إلى روضات الجنات . وباعث الهمم العليات . إلى العيش الهني في تلك الغرفات ( وسميته حادي الأرواح . إلى بلاد الأفراح ) فإنه اسم يطابق مسماه . ولفظ وافق معناه . واللّه يعلم ما قصدت . وما بجمعه وتأليفه أردت . فهو عند لسان كل عبد وقلبه . وهو المطلع على نيته وكسبه . وكان جل المقصود منه بشارة أهل السنة . بما أعد اللّه لهم في الجنة . فأنهم المستحقون للبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة . ونعم اللّه عليهم باطنة وظاهرة . وهم أولياء الرسول وحزبه . ومن خرج عن سنته فهم أعداؤه وحربه . لا تأخذهم في نصرة سنته ملامة اللوام ، ولا يتركون ما صح عنه لقول أحد من الأنام . والسنة أجل في صدورهم من أن يقدموا عليها رأيا فقهيا . أو بحثا جدليا ، أو خيالا صوفيا ، أو تناقضا كلاميا ، أو قياسا فلسفيا ، أو حكما سياسيا . فمن قدم عليها شيئا من ذلك فباب الصواب عليه مسدود . وهو عن طريق الرشاد مصدود . فيا أيها الناظر فيه لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه . ولك صفوه . وعليه كدره . وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك . وبنات أفكاره تزف إليك . فإن صادفت كفؤا كريما لم تعدم منه إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان . وإن كان غيره فاللّه المستعان . فما كان من صواب فمن الواحد المنان . وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان . واللّه بريء منه ورسوله وقد قسمت الكتاب سبعين بابا ( الباب الأول ) في بيان وجود الجنة الآن ( الباب الثاني ) في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة في الأرض ( الباب الثالث ) في سياق حجج من ذهب إلى أنها جنة الخلد ( الباب الرابع ) في سياق حجج